عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

387

اللباب في علوم الكتاب

لأنه كان يجب عليه أن يحرم بالحجّ من الميقات ، فلمّا أحرم بالعمرة من الميقات ، ثم أحرم بالحجّ من غير الميقات ، فقد حصل هناك خلل ، فجبر بالدّم ، بدليل أنّه لو رجع ، فأحرم بالحجّ أيضا من الميقات ، لم يلزمه دم ، والمكيّ ميقاته موضعه ، فلا يقع في حجّه خلل من جهة الإحرام ، فلا هدي عليه . وقال أبو حنيفة - رضي اللّه عنه - : قوله « ذلك » إشارة إلى الأبعد وهو ذكر التّمتع ، وعنده لا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام ، ومن تمتع أو قرن ، كان عليه دم جناية لا يأكل منه . حجّة القول الأوّل وجوه : أحدها : قوله تعالى « فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ » عامّ يدخل فيه الحرمي ، وغيره . وثانيها : أنّ الإشارة يجب عودها إلى أقرب مذكور ، وهو وجوب الهدي ، فإذا خصّ وجوب الهدي بالمتمتع الآفاقي ؛ لزم القطع بأن غير الآفاقي قد يكون أيضا متمتعا . وثالثها : أنّ اللّه تعالى شرع القران والمتعة تبيينا لنسخ ما كان عليه أهل الجاهليّة في تحريمهم العمرة في أشهر الحجّ ، والنسخ ثبت في حقّ النّاس كافّة . حجّة أبي حنيفة : أنّ قوله : « ذلك » كناية ؛ فوجب عودها إلى كلّ ما تقدم ، لأنّه ليس البعض أولى من البعض . والجواب أنّ عوده إلى الأقرب أولى ، لأنّ القرب سبب للرّجحان ، ومذهبكم أن الاستثناء المذكور عقيب الجمل مختصّ بالجملة الأخيرة « 1 » ، وإنّما تميزت تلك

--> ( 1 ) اختلفوا في هذه المسألة : ومحل الخلاف في الظهور ؛ وهو أن الاستثناء هل هو ظاهر في رجوعه إلى كل الجمل ، ولا يحمل على الجملة الأخيرة إلا بدليل أو بالعكس ؟ فذهب أكثر علماء الشافعية ، والمالكية ، والحنابلة إلى أنه ظاهر في رجوعه إلى الجميع ، والعطف يصير المتعدد كالمفرد . وذهب علماء الحنفيّة إلى أنه ظاهر في رجوعه إلى ما يليه من الجمل ، وهو مختص بالجملة الأخيرة خاصة ، إلا أن يقوم الدليل على التعميم ، واختاره المصنف هنا ، وقال الأصفهاني في القواعد : إنه الأشبه ، ونقله أبو الحسين البصري عن أهل الظاهر وذهب إمام الحرمين ، والغزالي إلى التوقف ، فيجوز أن يصرف إلى الأول ، وإلى المتوسط ، وإلى الأخير ، ولكن في الحال توقف ، والمنع لدليل ، فإن قام دليل على انصرافه لأحدهما ، صرنا إليه ، وقال أبو الحسين بن فارس في كتاب « فقه اللغة » : فإن دلّ الدليل على عوده إلى الجميع ، عاد ؛ كآية المحاربة ، وإن دل على منع ، امتنع ؛ كآية القذف . وذهب المرتضى إلى أنه مشترك بينهما ، فتوقّف إلى ظهور القرينة . وقال أبو الحسين إن تبيّن استقلال الثانية عن الأولى بالإضراب ، وذلك بأن يختلفا نوعا ، أو اسما ، أو حكما - فللأخيرة ، وإلا فللجميع . وقالت الأشعرية : هو موقوف على الدليل . ومذهب آخر : وهو أن الجمل إن كانت كلها مسوقة لمقصود واحد ، انصرف إلى الجميع ، وإن سيقت لأغراض مختلفة ، اختص بالأخيرة ؛ حكاه ابن برهان في الأوسط عن القاضي عبد الجبار المعتزلي . والمذهب الأخير : أن الواو إن ظهرت للابتداء ؛ كقوله : أكرم بني تميم والنحاة البصريين إلا البغاة -